ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان وانطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية الأب فادي تابت، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات وحشد من الفاعليات والمؤمنين.
وألقى الراعي عظة بعنوان: "عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم"، قال خلالها: "العدالة الإلهية ليست مجرد عقاب أو مكافأة، بل هي كشف للحقيقة، وفرصة للتوبة، لتغيير المسلك الشخصي قبل فوات الأوان. الإصغاء إلى كلام الله هو مفتاح الحياة الصحيحة، وهو ما يجعلنا ندرك قيمة حياتنا، وطريقة تعاملنا مع نعم الله وعطاياه، وكيفية عيشنا المسؤولية تجاه الآخرين. فثمّة مبدآن أساسيان في تعليم الكنيسة الاجتماعي: الأول: "خيرات الأرض مُعدّة من الله لجميع الناس". الثاني: "لا أحد يملك شيئًا بالمطلق. فالملكية الخاصة مطبوعة برهن اجتماعي". هذا المثل يحمل بعدًا وطنيًا عميقًا، يمكننا تطبيقه على واقع وطننا، وفي كل مجتمع، هناك "غني" و "فقير"، ليس بالضرورة مادياً فحسب، بل فقر في الفرص والمعرفة والقدرة على المبادرة والعطاء".
ولفت إلى أن "مسؤولية كل فرد تمتد لتشمل من هم حوله، فالوعي الوطني الحقيقي يظهر حين يُدرك القادر أن القوة والموارد لا تُستغل للذات فقط، بل للخير العام. لبنان، كما كثير من المجتمعات، يحتاج إلى إرادة جماعية توجه الطاقات والقدرات نحو العدالة الاجتماعية، وتضع الرحمة والشفقة معيارًا للقرارات السياسية والاجتماعية. يعلمنا الإنجيل أن من لا يمد يده إلى الآخر، أو يغفل عن الحاجة، يختار الانغلاق بدل الخدمة، وهذا يضع المجتمع في مأزق، بينما من يوجه قدراته وإمكاناته لخدمة الجميع يبني وطنًا متماسكًا ومستنيرًا".
وأشار إلى أن "المسؤولية الوطنية هي رحمة وعمل، هي نظرة شاملة للأخوة والمساواة، وإيمان بأن أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف، وبالإنصاف، وبالمبادرة البناءة التي ترفع المجتمع. إن هذه الرؤية الوطنية ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل واجب روحي: أن نكون مرآة لتعاليم المسيح في حياتنا اليومية، وأن تتحول القوة والقدرة إلى خدمة عادلة، والوعي إلى فعل مؤثر، والرحمة إلى معيار لكل قرار واتجاه. فالوطن ليس مجرد أرض، بل هو شعب يحتاج إلى محبة وعدل وإخلاص، وهذا ما يطبّق مثال الغني ولعازر في حياتنا الوطنية، حيث نرفع الإنسان، ونقدّر الكرامة، ونؤسس مجتمعًا يعكس قيم الإنجيل ويجعل من العدالة والرحمة قاعدة مستدامة في كل نواحي الحياة".
وختم الراعي: " نرفع الصلاة إلى الله من أجل من رحلوا من بيننا الى بيت الآب، طالبين أن يمنحهم الراحة الأبدية، ويملأ قلوب الأحياء بالحكمة والقوة ليعيشوا حياتهم بالعدل والمحبة. نتضرع للرب أن يبارك وطننا لبنان، وأن يمد قلوب المسؤولين والمواطنين برؤية واضحة، وبحسّ عالٍ بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويغمرنا جميعًا بالرحمة والمواساة، وأن يجعل أعمالنا انعكاسًا حيًا لتعاليم الإنجيل ومثال الغني ولعازر في حياتنا اليومية. فنرفع له المجد والشكر الآن وإلى الأبد، آمين".